تحوّل حريق الغابات الواسع في إقليم جيروند جنوب غربي فرنسا إلى أزمة اقتصادية ولوجستية ممتدة، بعد أن التهم 42 ألف هكتار من الأحراش قرب بوردو وأجبر السلطات على إجلاء السكان وإغلاق طرق رئيسية، ما أدى إلى توقف نشاط أكثر من 13 ألف شركة وتعطّل سلاسل الإمداد والطاقة. وأعلنت الحكومة الفرنسية حزمة إجراءات طارئة تشمل دعم الأجور جزئياً وتأجيل ضرائب ورسوم تأمينات اجتماعية وتمديد آجال مطالبات التأمين.
ووفقاً لوثائق صادرة عن الرئاسة الفرنسية عقب اجتماع لمجلس الوزراء في 27 يوليو، اندلع الحريق في 22 يوليو بمنطقة ساوموس واجتاح حتى الآن 42 ألف هكتار. بلغ عدد المُجلّين 220 ألف شخص، وتضررت أو دُمّرت 277 مبنية. وشارك في المكافحة 2500 إطفائي و1500 عسكري و1200 من الشرطة والدرك الوطني، وهو جهاز شرطي ذي طابع عسكري، إضافة إلى 450 من عناصر السلامة المدنية، مع نشر 18 طائرة لإخماد النيران.
الضرر لم يقتصر على الغابات والمساكن. فبحسب صحيفة لو موند نقلاً عن جهات محلية، شملت أوامر الإجلاء 22 بلدية، وتوقفت شركات تفوق 13 ألفاً عن العمل. كما أُغلقت أجزاء من الطريق السريع A63، الشريان الحيوي الذي يربط بوردو بالحدود الإسبانية وساحل الأطلسي، ما شلّ مراكز لوجستية في سيستاس ومارشوبريم.
تضم المنطقتان مقرات لوجستية لشركة التجارة الإلكترونية Cdiscount ولشركة البريد الوطنية “لا بوسط”، وتشغّلان أكثر من ألف موظف، كما تعتمد عليهما سلاسل كبرى مثل ليدل ولوكلير وديكاتلون في تزويد متاجر جنوب غربي فرنسا. وقدّرت غرفة التجارة والصناعة محلياً عدد الشركات المتضررة مباشرة بأكثر من 6700، مع تأكيد اتساع التأثير على قطاعات السياحة والتجزئة والخدمات، ولا سيما في ذروة موسم الصيف في بوردو وحوض أركاشون وكاب فيريه.
وامتد الأثر إلى الطاقة، إذ توقفت منذ 24 يوليو محطة سيستاس للطاقة الشمسية بقدرة 300 ميغاواط، وهي من الأكبر في فرنسا. وذكرت الشركة المشغلة “نيؤين” أن ألسنة اللهب اقتربت من الجزء الشمالي للموقع، لكنّ أحزمة الوقاية وجهود الإطفاء حالت دون أضرار كبيرة، مع رصد تلف محدود في بعض الكابلات والصناديق، فيما يستمر التوقف لإجراء فحوص السلامة.
تركّز الحكومة والهيئات الاقتصادية على الحفاظ على الوظائف عبر إتاحة “نظام العمل الجزئي” في ظروف استثنائية، وهو آلية تتحمل فيها الدولة جزءاً من الأجور لتفادي التسريح عند تقليص ساعات العمل أو تعليق النشاط. وتشمل الحزمة تأجيل استحقاقات ضريبية وتأمينية وتقديم استشارات وتمويلات عاجلة، حتى للمتضررين بشكل غير مباشر جراء إغلاق الطرق وتراجع الطلب وتعطل سلاسل التوريد.
من جهتها، مددت جمعية شركات التأمين الفرنسية مهلة تقديم مطالبات التعويض عن حرائق جيروند ولاند وفار حتى 31 أغسطس، بدلاً من المهلة المعتادة البالغة خمسة أيام، مع التعهّد بتحمل كلفة السكن المؤقت حتى ثلاثة أسابيع للملزمين بالإجلاء حتى لو لم تتضرر منازلهم، وزيادة عدد خبراء معاينة الخسائر. كما طلبت الحكومة من الشركات توفير حفارات وشاحنات مياه ومعدات ثقيلة لإنشاء خطوط عزل واحتواء البؤر.
وتُظهر الأزمة كيف تتحول كوارث المناخ سريعاً إلى أزمات اقتصادية متسلسلة: من احتراق الأحراج إلى الإجلاء، فإغلاق الطرق والمستودعات وتراجع السياحة وتعطل منشآت الطاقة. وسجلت فرنسا منذ مطلع 2026 نحو 13,550 حريق غابات ومراعٍ، بمساحة محترقة تناهز 116 ألف هكتار، متجاوزة إجمالي 2022 البالغ 70 ألف هكتار. وتؤكد السلطات أن التعافي في جيروند سيتطلب، إلى جانب إعادة التشجير، إعادة تأهيل الشبكات اللوجستية، وتنشيط الطلب السياحي، ودعم تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز سلامة البنية التحتية للطاقة؛ وهي دروس تهم أي اقتصاد يعتمد على سلاسل إمداد متكاملة واستثمارات متنامية في الطاقة المتجددة.



